نصر حامد أبو زيد
36
الاتجاه العقلي في التفسير
ولسنا بحاجة لتأكيد أن الحسن كان يمثّل تلك الجماعة من أتقياء المسلمين وزهادهم الذين تعايشوا - لفترة - مع الحكم الأموي بحكم الأمر الواقع ، وإن لم يجاهروا بعدائه خوفا من سطوة حكامه وجبروتهم خصوصا في عهد عبد الملك بن مروان ، وواليه على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي . ولم تمنعهم هذه المعايشة من محاولة التصدي - فكريا - لكل الأفكار التي حاولت أن تدعم هذا النظام وتسانده . ولقد كان من الطبيعي أن تؤدي هذه النظرة التقية المسالمة إلى الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه منافق « وحكم اللّه في المنافق أنه إن ستر نفاقه فلم يعلم به وكان ظاهره الاسلام فهو عندنا مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم » 82 ومن المؤكد أن أحدا من الحكام الأمويين لم يعلن نفاقه ، ومن ثم فمعاملتهم معاملة المسلمين أمر واجب على أتقياء المسلمين . ومن الضروري ألّا يغيب عن الأذهان أثر الضغط الأموي ، وتزايد سياستهم الارهابية في تكوين هذه النظرة المسالمة إذا قورنت بنظرة الخوارج الواضحة كالسيف . ولقد كان من الطبيعي أن ينفر أمثال الحسن من الخروج ومن شهر السيوف ، وأن يؤدي بهم هذا النفور إلى معاداة الخوارج ، خصوصا مع مبالغتهم في استخدام مبدأ « التكفير » والعرض على السيف لكل من خالفهم في الأصول أو التفاصيل . ولم يكن هذا الموقف المهادن وقفا على الحسن وأمثاله ، فالشيعة ركنت - بعد مأساة كربلاء - إلى مهادنة الأمويين . وإذا استثنينا ثورة التوّابين وثورة المختار ، وهي ثورات لم تكن تحت قيادة علوية مباشرة ، لا نجد خروجا شيعيا مسلحا إلّا مع ثورة زيد بن علي بن الحسين ( ت 95 ه ) في عهد هشام بن عبد الملك . ولقد رفض محمد بن الحنفية الخروج مع عبد اللّه بن الزبير ، كما أنه - فيما يقال - استنكر أقوال المختار الذي خرج باسمه . ولم يخرج من أبناء الحسن أو الحسين أحد حتى قرر زيد بن علي الخروج . ويبدو أن خروج زيد لم يكن أمرا متفقا عليه بينه وبين باقي أهل البيت من إخوته ، وفيهم من هو أحق بالإمامة والخروج منه بحكم السن . ودون الخوض في تفاصيل هذا الخلاف وأسبابه ، يهمنا أن نشير إلى أن الموقف السياسي كان وراء رفض بعض الأئمة الخروج « وكان الباعث على ذلك الشدة التي اتبعها الأمويون تجاه من يخرج على سلطانهم . فقد أدرك أئمة الشيعة أن الثورات المحلية المسلحة لا تجدي نفعا ما دامت الدولة الأموية تعزّز سلطانها بالجند والمال ، لهذا أشاعوا بين أتباعهم التزام الهدوء أمام الأحداث التي كانت جارية آنذاك ، مهما بلغت من العنف والقسوة ، اللهم إلّا في حالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي حدود معينة لا يتعرّض فيها المؤمن إلى فتك السلطان » 83 ويبدو أن الخلاف